أحمد بن علي القلقشندي

379

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والبناء بنقضه بساحل النيل بالفسطاط والقاهرة ، وتزايد الهدم فيه واستمرّ إلى الآن ، حتّى لم يبق من عمارته إلا ما بساحل النيل ، وما جاوره إلى ما يلي الجامع العتيق وما دانى ذلك ، ودثرت أكثر الخطط القديمة وعفا رسمها ، واضمحلّ ما بقي منها وتغيرت معالمه . وإذا نظرت إلى خطط الكنديّ والقضاعي والشريف النّسّابة ، عرفت ما كان الفسطاط عليه من العمارة وما صار إليه الآن ؛ وإنما أجرينا ذكر بعض الخطط المتقدّمة ، حفظا لأسمائها وتنبيها على ما كانت عليه ، إلا أن في ساحله المطلّ على النيل الآن وما جاور ذلك المباني الحسنة ، والدور العظيمة ، والقصور العالية ، التي تبهج الناظر ، وتسرّ الخاطر . وكان أكثر بنيانه بالآجرّ المحكوك والجبس والجير من أوثق بناء وأمكنه ، وآثاره الباقية تشهد له بذلك ، وقد صار ما خرب منه ودثر كيمانا كالجبال العظيمة ، وهجر غالبها وترك ، وسكن في بعضها رعاع الناس ممن لا يعبأ به في جوانب منها لا تعدّ في العامر . ومن كيمانه المشهورة التي ذكرها القضاعيّ : كوم الجارح ، وكوم دينار ( 1 ) ، وكوم السمكة ( 2 ) ، وكوم الزينة ( 3 ) ، وكوم الترمس ؛ وزاد صاحب « إيقاظ المتغفل » كوم بني وائل ، وكوم ابن غراب ، وكوم الشقاق ، وكوم المشانيق ( 4 ) . ويقابل الفسطاط من الجهة البحرية جزيرة الصّناعة المعروفة الآن بالرّوضة ( 5 ) ، كانت صناعة العمائر ( 6 ) أوّلا بها فنسبت إليها .

--> ( 1 ) هذا الكوم عرف بالشيخ دينار ، وهو مدفون فيه . ( الانتصار : 4 / 5 ) . ( 2 ) وقد قيل إنه سمي بذلك لأن سمكة عظيمة حملت من البحر وطرحت هناك . ( الانتصار : 4 / 53 ) . ( 3 ) سمي بذلك لأنه كان يجعل عليه زينة في الأعياد . ( المرجع السابق ) . ( 4 ) عرف بالمشانيق لأن أرباب الجرائم كانوا يشنقون في موضعه قبل أن يعمر . ( المرجع السابق ) . ( 5 ) وقد أسهب ابن دقماق في وصف هذه الجزيرة والكلام على جميع معالمها ( أنظر الانتصار : من ص 109 إلى ص 120 ) . ( 6 ) مفردها عمارة ، وهي كل شيء على الرأس من عمامة وقلنسوة ونحوهما . ( المعجم الوسيط : 2 / 627 ) .